سِلْسِلَةُ عَقَائِدِ أَئِمَّةِ الأُمَّةِ (2)
﴿العَقِيدَةُ الـمُرْشِدَةُ﴾
عقيدةُ السُّلطَانِ الـمُجَاهِدِ
صَلاحِ الدِّينِ يُوسُفَ الأَيُّوبيِّ
مُـحَرِّرِ بَيْتِ الـمَقْدِسِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
دَارُ الإِمَامِ عَبدِ الرَؤُوفِ الـمُنَاوِيِّ
عَمِلَ على إِخْرَاجِ هذَا الكتابِ ووَضْعِ مُقدِّمَةٍ لَهُ
أَبُو الطيِّبِ يُوسُفُ بنُ عَدْنَانَ الـمُناوِيُّ
خِرِّيجُ كُلِّيَةِ الإِمَامِ الأَوزاعِيِّ في الدِّراسَاتِ الإِسْلامِيَّةِ
الطَّبْعَةُ الأُولَى
1438 هـ - 2017
عَمَلًا بِأَحْكامِ الشَّرْعِ الإسْلامِيِّ
حُقُوقُ الطَّبْعِ لَيْسَتْ مقصورةً على الـمُؤَلِّفِ ولا النّاشِرِ
لا يُمْنَعُ أحدٌ مِنْ إعادةِ نَشْرِ هَذِهِ الرَّسَائِلِ وتَصْويْرِها وطِبَاعَتِهَا وتوزيعِهَا
ولَوْ لِأَغْراضٍ تِجارِيَّةٍ شَرْطَ الأَمَانَةِ في النَّقْلِ
لِمَنْ أَرادَ مُراسَلَةَ الدَّارِ أو الـمُؤَلِّفِ
يمكن تحميل هذا الكتاب وغيره من موقع الإمام المناوي
وأرجو ممن له ملاحظة أو اقتراح أن يراسلني على الإيميل المذكور
الفهرس
تعريفٌ بسِلْسِلَةِ عَقَائِدِ أَئِمَّةِ الأُمَّةِ
بَيَانُ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلى إِصْدَارِ هَذا الكِتَابِ
تَرْجَمَة السلطانِ العادلِ صلاحِ الدين
العقيدةُ التي وظَّفَ صلاحُ الدين المؤذنين أن يُعلنوا بذكرها
ترجمة الإمام فخر الدين بن عساكر
عقيدة الجيش الذي حرر بيت المقدس
أهم إنجازات السلطان صلاح الدين
العقيدة المرشدة لابن تُومَرت
تعريفٌ بسِلْسِلَةِ عَقَائِدِ أَئِمَّةِ الأُمَّةِ
هذا الكتاب هو الثاني في سلسلة عقائد أئمة الإسلام
وهي سلسلة من الكتب المضبوطة قدر الإمكان، مع إضافة ما يحتاج إليه طالب العلم من تعليقات وتقييدات وتوضيحات.
وقد أفردت هذا الكتاب مما أودعته في الكتاب الأول من هذه السلسلة وهو العقيدة الصلاحية، والمراد بذلك تسهيل الاطلاع على العقيدة المرشدة لمن أراد الاقتصار عليها، مع بيان أنها العقيدة التي نشرها صلاح الدين الأيوبي
أرجو الله أن ييسر العمل لإصدار المزيد من الكتب التي هي أمهاتٌ علوم العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة
أَبُو الطيِّبِ يُوسُفُ بنُ عَدْنَانَ الـمُناوِيُّ
28-6-2017
بَيَانُ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلى إِصْدَارِ هَذا الكِتَابِ
إنَّ أَبطالَ الإسلامِ العِظَامَ الذين سطَروا للبشريةِ سطورا من نُور خَلَّدَت ذكراهم، واشتهرت سِيَرُهم للداني والقاصي كأن السامع يراهم، قد سلكوا طريق الجهاد والمجاهدة في سبيل نشر نور العلم والإيمان، ودحرِ فلول الكفر والظلم والطغيان، حتى عمَّ عدلهم وذاع في الأنام فضلهم، وشهد لهم المنصف من المؤمنين بل ومن أهل الخسران، فكانت سيرتهم نبراسا يهتدي به في ظلمات الظلم مَن أراد أن يُدخل في أهل الإحسان.
ومن هؤلاء العظامِ الكبارِ، المجاهدُ الصالح، الذي انتشر ذكره في الآفاق وطار، ولهج بذكره ونعته الكبار والصغار، في سائر الأعصار والأقطار والأمصار، السلطان العادل الصالح الزاهد ذو الـمجد والفخار، صلاح الدين يوسف بن أيوب، الذي حرَّر بلاد الشام من الفرنجة الفجار، ونشر العدل في كل بقعة شملها شريفُ سلطانِه، لا زالت تتنزَّل عليه بركاتٌ من رحمة الله ورضوانه، فقد عزَّ في الدهور نظيره، وكان إلى رضوان الله في الحقِّ مسيرُه ومصيرُه، جزاه الله عن الأمة وعن الدين خيرا، ورفعه فوق من أتى بعده من المجاهدين طُرّا، وحشرنا معه يوم القيامة محجَّلين غرّا، فقد أظهر لكل سلطان وقائد يأتي بعده، أنه لا بد للنصر أن يَبذل كُلٌّ جُهدَه، وأن يُعِدَّ المؤمنون لذلك كامل العُدَّة، وقد تحقق قول الله تعالى فيما أجرى على يد هذا المجاهد الصالح الأوّاه: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
وكان من شكر هذا السلطان الصالح، أن ننشر عقيدته السُّنِّية السَّنِيَّة، وأن نبيِّن للقاصي والدَّاني أنه كان على اعتقاد الفرقة المرضيَّة الأشعريَّة، إذ معظم أهل السنة بعد الإمام الأشعري على عقيدته الـمُضيَّة، كما يعرف ذلك من خبر تاريخ أئمة الإسلام، وَلَـمْ يُـخَالِفْ أصُولَ عقيدةِ ذلكَ الإمامِ الهُمام، إلا شرذمةٌ من الطَّغام، الذين رفضوا العقل واغتروا بالأوهام.
وقد عرف عن السلطان صلاح الدين رضي الله عنه، أنه وظَّف المؤذنين على إذاعة العقيدة الأشعرية على الـمنائر، وأمر بتلقينها للصغار، فكانت هذه العقيدة معتقد جيشه الذي حرَّر بلاد الشام، فليهنأ بذلك من كان معه على تلك العقيدة، فقد جاهدوا في سبيل الله، فمنهم من قضى نحبه شهيدا، ونرجو أن يكون كل من جاهد معه لنصرة الإسلام سعيدا.
وهذا أحد الأدلة الكثيرة على أن السلطان صلاح الدين كان على العقيدة الأشعرية، وكذلك جيشه الميمون، إذ استغرق الاستعداد لتحرير القدس سنين عديدة بعد توليه السلطنة في مصر، وهو كان رضي الله عنه من أحرص الناس على نشر العقيدة الأشعرية، جزى الله السلطان صلاح الدين وجيشه عن الإسلام والمسلمين خير جزاء، وحشرنا وإياهم تحت خير لواء.
وفيما يأتي مقدمة تشتمل على التعريف بالناصر صلاح الدين، وبالشيخ فخر الدين بن عساكر الذي عُرف عنه الاشتغال بتدريس هذه العقيدة، ولن أطيل في بيان أن العقيدة الأشعرية هي عقيدة أهل السنة والجماعة، لأنه قد كُتب في هذا الأمر ما لا يحصيه إلا الله من مؤلفات أهل العلم.
تَرْجَمَة السلطانِ العادلِ صلاحِ الدين
(532 هـ -589 هـ)[1]
تاريخ ولادته ووفاته
وُلِدَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أيوب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتكْرِيتَ سنة ثنتين وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وتوفي سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
ذكر شيء من مناقبه
كان
رضي الله عنه متقلِّلا في ملبسه، ومأكله ومركبه، وكان لا يَلْبَسُ إِلَّا
الْقُطْنَ وَالْكَتَّانَ وَالصُّوفَ، وَلَا يُعْرَفُ أنه تخطى إلى مكروه، ولا سيما
بَعْدَ أَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمُلْكِ، بَلْ كان همه الأكبر ومقصده
الأعظم نصرة الإسلام، وكسر أعدائه اللئام، وكان يُعْمِلُ رَأْيَهُ في ذلك وحده،
ومع من يثق به ليلا ونهارا، وَهَذَا مَعَ مَا لَدَيْهِ مِنَ الْفَضَائِلِ
وَالْفَوَاضِلِ، وَالْفَوَائِدِ الْفَرَائِدِ، فِي اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ
وَأَيَّامِ النَّاسِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الْحَمَاسَةَ
بِتَمَامِهَا، وَكَانَ مُوَاظِبًا عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فِي
الجماعة، يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةٍ قَبْلَ
وَفَاتِهِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، حَتَّى وَلَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، كَانَ يَدْخُلُ
الْإِمَامُ فَيُصَلِّي بِهِ، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، وَكَانَ يَفْهَمُ مَا
يُقَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْبَحْثِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَيُشَارِكُ فِي ذَلِكَ
مُشَارَكَةً قَرِيبَةً حَسَنَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْعِبَارَةِ الْمُصْطَلَحِ
عَلَيْهَا، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ لَهُ الْقُطْبُ النَّيْسَابُورِيُّ عَقِيدَةً
فَكَانَ يَحْفَظُهَا وَيُحَفِّظُهَا مَنْ عَقَلَ مِنْ أَوْلَادِهِ، وكان يحب سماع
القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء
وهو بين الصفين فكان يتبحبح بِذَلِكَ وَيَقُولُ: هَذَا مَوْقِفٌ لَمْ يَسْمَعْ
أَحَدٌ فِي مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ الْعِمَادِ الْكَاتِبِ.
وَكَانَ
رَقِيقَ الْقَلْبِ سَرِيعَ الدَّمْعَةِ عِنْدَ سماع الحديث، وكان كثير التعظيم
لشرائع الدين. كان قد صحب وَلَدَهُ الظَّاهِرَ وَهُوَ بِحَلَبَ شَابٌّ يُقَالُ
لَهُ الشِّهَابُ السُّهْرَوَرْدِيُّ، وَكَانَ يَعْرِفُ الْكِيمْيَا وَشَيْئًا مِنَ
الشَّعْبَذَةِ وَالْأَبْوَابِ النِّيرَنْجِيَّاتِ، فَافْتَتَنَ بِهِ وَلَدُ
السُّلْطَانِ الظَّاهِرُ، وَقَرَّبَهُ وَأَحَبَّهُ، وَخَالَفَ فِيهِ حَمَلَةَ
الشَّرْعِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ لَا مَحَالَةَ، فَصَلَبَهُ عَنْ
أَمْرِ وَالِدِهِ وَشَهَّرَهُ، وَيُقَالُ بَلْ حَبَسَهُ بين حيطين حَتَّى مَاتَ
كَمَدًا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وثمانين وخمسمائة.
وكان مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ وَأَقْوَاهُمْ بَدَنًا وَقَلْبًا، مَعَ مَا كَانَ يَعْتَرِي جِسْمَهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، ولا سيما في حصار عَكَّا، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ كَثْرَةِ جُمُوعِهِمْ وَأَمْدَادِهِمْ لَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إِلَّا قُوَّةً وَشَجَاعَةً، وَقَدْ بَلَغَتْ جُمُوعُهُمْ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَيُقَالُ سِتَّمِائَةِ ألف، فقتلَ منهم مائة ألف مقاتل. ولما انفصل الحرب وتسلموا عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين وساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، وَجُيُوشُهُمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَنْ مَعَهُ، وَمَعَ هَذَا نصره الله وخذلهم، وسبقهم إلى القدس فصانه وحماه منهم، وَلَمْ يَزَلْ بِجَيْشِهِ مُقِيمًا بِهِ يُرْهِبُهُمْ وَيُرْعِبُهُمْ ويغلبهم ويسلبهم حَتَّى تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وخضعوا لديه، ودخلوا عليه في الصلح، وأن تضع الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سألوا على الوجه الّذي أراده، لا على مَا يُرِيدُونَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الرَّحْمَةِ التي رحم الله بها المؤمنين، فَإِنَّهُ مَا انْقَضَتْ تِلْكَ السِّنُونَ حَتَّى مَلَكَ البلاد أخوه الْعَادِلُ فَعَزَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَذَلَّ بِهِ الْكَافِرُونَ، وكان سخيا حيِيًّا ضَحُوكَ الْوَجْهِ كَثِيرَ الْبِشْرِ، لَا يَتَضَجَّرُ مِنْ خير يفعله، شديد المصابرة على الخيرات والطاعات، فرحمه الله وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ سِيرَتِهِ وَأَيَّامِهِ، وَعَدْلِهِ فِي سريرته وعلانيته، وأحكامه.
تركته
قَالَ
الْعِمَادُ وَغَيْرُهُ: لَـمْ يَتْرُكْ فِي
خزانته من الذهب سوى جرم واحد - أي دينار واحد - صوريا وَسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ
دِرْهَمًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَلَمْ يَتْرُكْ
دَارًا وَلَا عَقَارًا وَلَا مَزْرَعَةً وَلَا بُسْتَانًا، وَلَا شَيْئًا مِنْ
أَنْوَاعِ الْأَمْلَاكِ. هَذَا وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ سَبْعَةَ عَشَرَ ذكرا
وابنة واحدة، وتوفى له في حَيَاتِهِ غَيْرُهُمْ، وَالَّذِينَ تَأَخَّرُوا بَعْدَهُ
سِتَّةَ عَشَرَ ذَكَرًا أَكْبَرُهُمُ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ نُورُ الدِّينِ
عَلِيٌّ. وَإِنَّمَا لَمْ يُخْلِفْ أموالا ولا أملاكا لجوده وكرمه وإحسانه إلى
أمرائه وغيرهم، حتى إلى أعدائه، وقد تقدم من ذلك ما يكفي.
ذكر وفاته
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تسع وثمانين وخمسمائة. فيها كانت وفاة السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أيوب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُوَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ اعْتَرَاهُ حُمَّى صَفْرَاوِيَّةٌ لَيْلَةَ السَّبْتِ سَادِسَ عَشَرَ صَفَرٍ، ثم اشتدَّ به الْحَالُ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَاسْتَدْعَى الشَّيْخَ أَبَا جَعْفَرٍ إِمَامَ الْكَلَّاسَةِ لِيَبِيتَ عندَه يقرأ الْقُرْآنَ وَيُلَقِّنُهُ الشَّهَادَةَ إِذَا جَدَّ بِهِ الْأَمْرُ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَهُ وَهُوَ فِي الغمرات فقرأ: (هُوَ الله الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) فَقَالَ: وَهُوَ كَذَلِكَ صَحِيحٌ. فَلَمَّا أَذَّنَ الصُّبْحُ جَاءَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي آخِرِ رَمَقٍ، فَلَمَّا قَرَأَ الْقَارِئُ: (لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) تَبَسَّمَ وَتَهَلَّلَ وَجْهُهُ وَأَسْلَمَ رُوحَهُ إِلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، لِأَنَّهُ وُلِدَ بِتَكْرِيتَ فِي شُهُورِ سنة ثنتين وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَدْ كَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ وَحِرْزًا وَكَهْفًا مِنْ كَيْدِ الْكَفَرَةِ اللِّئَامِ، وذلك بتوفيق الله له، وَكَانَ أَهْلُ دِمَشْقَ لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِ مُصَابِهِ، وَوَدَّ كُلٌّ مِنْهُمْ لَوْ فَدَاهُ بِأَوْلَادِهِ وَأَحْبَابِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ غُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ وَاحْتُفِظَ عَلَى الْحَوَاصِلِ، ثم أخذوا في تجهيزه، وحضر جميع أولاده وأهله، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى غُسْلَهُ خَطِيبُ الْبَلَدِ الْفَقِيهُ الدَّوْلَعِيُّ، وَكَانَ الَّذِي أَحْضَرَ الْكَفَنَ وَمُؤْنَةَ التَّجْهِيزِ الْقَاضِي الْفَاضِلُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ الْحَلَالِ، هَذَا وأولاده الكبار والصغار يتباكون وينادون، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال، ثم أبرز جسمه في نعشه فِي تَابُوتٍ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَمَّ النَّاسَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ الزَّكِيِّ ثُمَّ دُفِنَ فِي داره بالقلعة المنصورة، ثُمَّ اشْتَرَى لَهُ الْأَفْضَلُ دَارًا شمالي الكلاسة، فَجَعَلَهَا تُرْبَةً، هَطَلَتْ سَحَائِبُ الرَّحْمَةِ عَلَيْهَا، وَوَصَلَتْ أَلْطَافُ الرَّأْفَةِ إِلَيْهَا. وَكَانَ نَقْلُهُ إِلَيْهَا فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ تَحْتَ النسر قاضى القضاة محمد بن على القرائبي ابن الزكي، عن إذن الأفضل، وَدَخَلَ فِي لَحْدِهِ وَلَدُهُ الْأَفْضَلُ فَدَفَنَهُ بِنَفْسِهِ، وهو يومئذ سلطان الشام، وَيُقَالُ إِنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ سَيْفُهُ الَّذِي كَانَ يحضر به الجهاد، وذلك عن أمر القاضي الفاضل، وَتَفَاءَلُوا بِأَنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَوَكَّأُ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء الله. ثُمَّ عُمِلَ عَزَاؤُهُ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يحضره الخاص والعام، وَالرَّعِيَّةُ وَالْحُكَّامُ.
وَقَدْ عَمِلَ الشُّعَرَاءُ فِيهِ مَرَاثِيَ كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، وهي مائتا بيت واثنان، وَقَدْ سَرَدَهَا الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ في الروضتين، منها قوله:
|
أَيْنَ
الَّذِي مُذْ لَـمْ يَزَلْ مَـخْشِيَّةً |
|
مَرْجُوَّةً
رَهَبَاتُهُ وَهِبَاتُهُ |
|
أَيْنَ الَّذِي
كَانَتْ لَهُ طَاعَاتُنَا |
|
مَبْذُولَةً
وَلِرَبِّهِ طَاعَاتُهُ |
|
باللَّه
أَيْنَ النَّاصِرُ الْمَلِكُ الَّذِي |
|
للَّهِ
خَالِصَةً صَفَتْ نِيَّاتُهُ |
|
أَيْنَ
الَّذِي مَا زَالَ سُلْطَانًا لَنَا |
|
يُرْجَى
نَدَاهُ وَتُتَّقَى سَطَوَاتُهُ |
|
أَيْنَ الَّذِي
شَرُفَ الزَّمَانُ بِفَضْلِهِ |
|
وَسَمَتْ عَلَى
الْفُضَلَاءِ تَشْرِيفَاتُهُ |
|
أَيْنَ
الَّذِي عَنَتِ الْفِرِنْجُ لِبَأْسِهِ |
|
ذُلًّا،
وَمِنْهَا أُدْرِكَتْ ثَارَاتُهُ |
وله:
|
بَحْرٌ
أَعَادَ الْبَرَّ بَحْرًا بِرُّهُ |
|
وَبِسَيْفِهِ
فُتِحَتْ بِلَادُ السَّاحِلِ |
|
مَنْ كَانَ
أَهْلُ الْحَقِّ فِي أَيَّامِهِ |
|
وَبِعِزِّهِ
يُرْدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ |
|
وَفُتُوحُهُ
وَالْقُدْسُ مِنْ أَبْكَارِهَا |
|
أَبْقَتْ لَهُ
فَضْلًا بِغَيْرِ مُسَاجِلِ |
|
مَا كُنْتُ
أَسْتَسْقِي لِقَبْرِكَ وَابِلًا |
|
وَرَأَيْتُ
جُودَكَ مُخْجِلًا لِلْوَابِلِ |
|
فَسَقَاكَ
رِضْوَانُ الْإِلَهِ لِأَنَّنِي |
|
لَا أَرْتَضِي
سُقْيَا الْغَمَامِ الْهَاطِلِ |
انتهى من البداية والنهاية باختصار.
وفي «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» للسيوطي رحمه الله:
قال العماد الكاتب: وما كان يلبس إلّا ما يحلّ لبسه، كالكتّان والقطن والصوف؛ وكانت مجالسه منزّهة عن الهزء والهزل؛ ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل؛ ويؤثر سماع الحديث، وكان من جالسه لا يعلم أنه جالس سلطانا لتواضعه. قال: ورأى معى يوما دواة محلَّاة بفضّة فأنكر علىّ وقال: ما هذا! فلم أكتب بها عنده بعدها. وكان محافظا على الصلوات في أوقاتها لا يصلّي إلّا في جماعة، وكان لا يلتفت إلى قول منجّم، وإذا عزم على أمر توكّل على الله. انتهى كلام العماد باختصار.
وذكره القاضي ابن شدَّاد في السّيرة فقال: كان حسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى؛ وإذا جاء وقت صلاة وهو راكب نزل فصلّى، وما قطعها إلَّا في مرضه الذي مات فيه ثلاثة أيّام اختلط ذهنه فيها. وكان قد قرأ عقيدة القطب النَّيسابوريِّ، وعلّمها أولاده الصغار لترسخ فى أذهانهم، وكان يأخذها عليهم. وأمّا الزكاة فإنّه مات ولم تجب عليه قطّ. وأمّا صدقة النوافل فاستنفدت أمواله كلّها فيها. وكان يحبّ سماع القرآن؛ واجتاز يوما على صبيّ صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته، فوَقَفَ عليه وعلى أبيه مزرعة.
كان شديد الحياء خاشع الطّرف، رقيق القلب، سريع الدمعة، شديد الرغبة فى سماع الحديث. وإذا بلغه عن شيخ رواية عالية وكان ممّن يحضر عنده، استحضره وسمع عليه وأسمع أولاده ومماليكه، ويأمرهم بالقعود عند سماع الحديث إجلالا له، وإن لم يكن ممن يحضر عنده، ولا يطرق أبواب الملوك سعى إليه. وكان مبغضا لكتب الفلاسفة وأرباب المنطق ومن يعاند الشريعة. ولـمّا بلغه عن السّهرورديّ ما بلغه، أمَرَ ولده الملك الظاهر بقتله. وكان محبًّا للعدل، يجلس فى كلّ يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره القضاة والفقهاء، ويصل إليه الكبير والصغير والشيخ والعجوز، وما استغاث إليه أحد إلّا أجابه وكشف ظلامته ...
قال ابن شدّاد: وكان حسن العشرة طيّب الخلق حافظا لأنساب العرب، عارفا بخيولهم، طاهر اللسان والقلم، فما شتم أحدا قطّ ولا كتب بيده ما فيه أذى مسلم. وما حضر بين يديه يتيم إلَّا وترحَّم على من خلَّفه، وجبر قلبه وأعطاه ما يكفيه؛ فإن كان له كافل سلّمه إليه، وإلّا كفله. انتهى كلام ابن شدّاد باختصار.
وقال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلِّكان رحمه الله في تاريخه:
«وصلاح
الدين كان واسطة العِقد، وشهرته أكبرُ من أن يُحتاج إلى التنبيه عليه.
اتّفق
أهل التاريخ على أنّ أباه وأهله من دُوِين (بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون
الياء المثناة من تحتها وبعدها نون) ، وهي بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أرّان
وبلاد الكرج، وأنّهم أكراد رَوَادِيَّةٌ (بفتح الراء والواو وبعد الألف دال مهملة
مكسورة ثم ياء مثنّاة من تحتها مشدّدة ثم هاء) . والرَّواديَّة: بطن من الهَذَانِيَّة
(بفتح الهاء والذال المعجمة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثنّاة مشدّدة من تحتها
وبعدها هاء) وهي قبيلة كبيرة من الأكراد.
انتهى النقل من النجوم الزاهرة باختصار.
العقيدةُ التي وظَّفَ صلاحُ الدين المؤذنين أن يُعلنوا بذكرها
قال الحافظ السيوطي في كتابه "الوسائل الى مُسامرة الأوائل" ما نصه: "صلاحُ الدين بنُ أيوبَ، أمَرَ المؤذنين في وقت التسبيح أن يُعلنوا بذكر العقيدة الأشعرية، فوظف المؤذنين على ذكرها كل ليلة الى وقتنا هذا". أي إلى وقت السيوطي المتوفى سنة 911 هـ.
قالَ الـمُؤَرِّخُ تَقِيُّ الدِّينِ الـمقريزيُّ فـي كِـتَـابِهِ (الـمَوَاعِظُ والاعتِبَارُ بِذِكْرِ الخُطَطِ وَالآثَارِ) مَا نَصُّهُ: "فلما وُلِيَّ السُّلطانُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بنُ أيـوبَ سلطنةَ مصرَ، ووليَ القضاءَ صدرُ الدينِ عبدُ الملكِ بنُ درباسٍ الهدبانيُّ المارانيُّ الشافعيُّ، كانَ مِنْ رأيهِ ورأيِ السلطانِ اعتقادُ مذهبِ الشيخِ أبي الحسنِ الأَشعريِّ في الأُصولِ، فحَمَلَ النَّاسَ إلى اليومِ على اعتقادِه، حتَّى يكفّر مَنْ خالفَهُ[2]، وتقدَّمَ الأمرُ إلى الـمُؤَذِّنِينَ أَنْ يُعْلِنُوا في وَقتِ التسبيحِ على الـمآذنِ بالليلِ، بِذكْرِ العَقِيْدَةِ التي تُعرَفُ بالـمُرشدةِ، فواظَبَ الـمُؤذِّنُونَ على ذِكرِهَا في كُلِّ ليلةٍ بسائِرِ جَوامِعِ مِصْرَ والقاهرة إِلَى وَقتِنَا هَذا".
والعقيدة التي كانت تُعلَنُ بأصواتِ المؤذِّنينَ هي (العقيدةُ المرشدة)، لابنِ تُومَرت[3]، وهي العقيدةُ التي اشتهَرَ الإمامُ الكبيرُ فخرُ الدينِ بنُ عساكرَ رحمهُ اللهُ بإقرائِها.
عقيدة الجيش الذي حرَّر بيت المقدس
كان قائد ذلك الجيش - صلاح الدين الأيوبي - أشعرياً، فقد حفظ في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري أحد أعلام الأشعرية، وصار يحفِّظها صغار أولاده، ولذلك نشأ هو وأولاده على المعتقد الأشعري، فحمل صلاح الدين الكافة على عقيدة أبي الحسن الأشعري، وتمادى الحال على ذلك في جميع أيام ملوك بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك.
وقد كان لذلك دوره الكبير في نشر الأشعرية في سائر أنحاء العالم الإسلامي، فمصر التي كانت مقر الدولة الأيوبية كانت هي حاضرة العلم في تلك العصور وقد كان للأزهر دور كبير في نشر العقيدة الأشعرية التي ادخلها صلاح الدين في مصر بعد أن قضى على الدولة العبيدية الإسماعلية، وهذا يدلُّ على أن جيشه الذي حرر بيت المقدس وأيّدهم الله بنصره ومدد من عنده، هم على عقيدة إمام أهل السنة الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه. فإن السلطان صلاح الدين كان يجهِّز لتحرير بيت المقدس سنين عديدة، وكان حريصا أشدَّ الحرص على تلقينِ العقيدة الأشعرية، فلا شكَّ في حرصه على أن يكون جيشه على نفس العقيدة من أولى المهمّات، ولعل الله ييسر لي أن أكتب قريبا بحثا مختصرا أُثبت فيه أن القرآن والحديث والفقه، بعد عصر الأشعري، إنما وصلنا من طريق الأشاعرة والماتريدية، وأنه لا يوجد تواتر لكتب السنة إلا من طريق الأشاعرة.
ومما يشهد بذلك قول تاج الدين السبكي: وهذه المذاهب الأربعة وللَّه الحمد في العقائد واحدة، إِلَّا من لَحِقَ منها بأهل الاعتزال والتجسيم. وإلَّا فجمهورُها على الحق؛ يُقِرُّون عقيدةَ أبي جعفر الطحاوي التي تلقّاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول، ويدينونَ اللَّه برأيِ شيخِ السنّة أبي الحسن الأشعريّ الذي لم يُعارِضْهُ إلَّا مُبتَدِعٌ. انتهى النقل من مُعِيدِ النِّعَمِ ومُبِيدِ النِّقَمِ.
أهم إنجازات السلطان صلاح الدين
· الإعداد لجهاد الصليبيين أكثر من عشر سنوات متصلة (570 ﻫ - 582 ﻫ).
· خوض المعارك ضدِّ الصليبيين وتتوِّيج انتصاراته في حِطِّين، واسترداد بيت المقدس.
· دحر الحملة الصليبية التي قدمت من أوروبا لإعادة احتلال بيت المقدس.
· إزالة الدولة الفاطمية الإسماعيلية.
· توحيدُ مصرَ تحتَ لواءِ الخلافةِ العباسيَّةِ السنيَّةِ.
· الإنجازات الحضارية كإنشاء المساجد والمدارس وبناء القلاع، ومن أشهرها قلعة الجبل التي أقامها بالقاهرة.
· نشر تعليم العقيدة الأشعرية التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، حتى للصِّغار في الكتَّاب.
وقد كتب في سيرة السلطان الناصر صلاح الدين كثير من العلماء والباحثين، وبسط ذلك يطول، ويمكن لمن أراد الاستزادة أن يرجع إلى المصادر التي نقلت عنها وإلى غيرها أيضا.
ترجمة الإمام فخر الدين بن عساكر رحمه الله
(555 هـ -620 هـ)
قال الإمام تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى:
عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن هبة الله ابْن عبد الله بن الْحُسَيْن الدِّمَشْقِي، الشَّيْخ الإِمَام الْكَبِير أَبُو مَنْصُور فَخر الدّين ابْن عَسَاكِر، شيخ الشَّافِعِيَّة بِالشَّام وَآخِرُ من جُـمِع لَهُ الْعلم وَالْعَمَل. ولد سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة، وتفقه بِدِمَشْق على الشَّيْخ قطب الدّين النَّيْسَابُورِي وزوجه بابنته واستولدها، وَسمع الحَدِيث من عميه الْإِمَامَيْنِ الْحَافِظ الْكَبِير أبي الْقَاسِم والصائن هبة الله وَجَمَاعَة، وَحدث بِمَكَّة ودمشق والقدس، روى عَنهُ الْحَافِظ زكي الدّين البرزالى وزين الدّين خَالِد وضياء الدّين الْمَقْدِسِي وَآخَرُونَ. وَله تصانيف فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا وَبِه تخرَّج الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام وَكَانَ إِمَامًا صَالحا قَانِتًا عابدا ورعا كثير الذّكر قيل كَانَ لَا يَخْلُو لِسَانه عَن ذكر الله. وَأُرِيد على الْقَضَاء فَامْتنعَ، طلبه الْملك الْعَادِل لَيْلًا، وَبَالغ فِي استعطافه وألحَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ حَتَّى أستخير الله، وَخرج فَقَامَ ليلته فِي الْجَامِع يتَضَرَّع ويبكي إِلَى الْفجْر، فَلَمَّا صلى الصُّبْح وطلعت الشَّمْس أَتَاهُ جمَاعَة من جِهَة السُّلْطَان، فأصر على الِامْتِنَاع وجهز أَهله للسَّفر، وَخرجت المحابر إِلَى نَاحيَة حلب فَردهَا السُّلْطَان ورق عَلَيْهِ وأعفاه، وَقَالَ عَيِّنْ غَيْرك، فعيَّنَ لَهُ ابْن الحرستاني، وَاتفقَ أهل عصره على تَعْظِيمه فِي الْعقل وَالدّين.
ثم قال: توفّي فِي الْعَاشِر من رَجَب سنة عشْرين وسِتمِائَة، وَكَانَت جنَازَته مَشْهُودَة قلَّ أَن وُجد مثلهَا، قَالَ أَبُو شامة: أَخْبرنِي من حضر وَفَاتِه أَنَّهُ صلَّى الظّهْر ثُـمَّ جعل يسْأَل عَن الْعَصْر، فَقيل لَهُ لم يقرُب وَقتهَا، فَتَوَضَّأ ثُـمَّ تشهد وهو جالس، ثمَّ قَالَ: رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبيا، لَقَّنَنِي الله حجتي وأقالني عَثرتي ورحم غُربتي، ثمَّ قَالَ وَعَلَيْكُم السَّلَام، فَعلمنَا أَنه حَضرته الْمَلَائِكَة فَانْقَلَبَ على قَفاهُ مَيتا.
ثم قال السبكي رحمه الله في الطبقات، بعد مَا مرَّ نقله عنه: وَنحن نرى أَن نسُوقَ هَذِه العقيدةَ الـمرشِدةَ وَهِي:
العقيدةُ المرشدةُ لابن تُومَرت
اعْلَمْ أرشدَنا اللهُ وَإِيَّاكَ، أَنهُ يجبُ على كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ عزَّ وَجَلَّ وَاحِدٌ فِي مُلكهِ، خلَقَ الْعَالَـمَ بأَسْرِهِ، الْعُلوِيَّ والسُّفلِيَّ وَالْعرشَ والكُرسِيَّ، وَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فيهمَا وَمَا بَينهمَا، جَمِيعُ الْخَلَائق مَقْهُورونَ بقُدرَتِهِ، لَا تتحرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، لَيْسَ مَعَهُ مُدَبِّر فِي الْخلقِ، وَلَا شَريكٌ فِي الْمُلكِ، حَيٌّ قَيُّومٌ ﴿لَا تَأْخُذهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ﴾ ﴿عَالِـمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ﴿لَا يَخفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿وَيعلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبينٍ﴾ ﴿أحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ ﴿فَعَّالٌ لِـمَا يُرِيدُ﴾ قَادِرٌ على مَا يَشَاءُ، لَهُ الْمُلْكُ وَالغَنَاءُ، وَلهُ الْعِزُّ والبَقاءُ، وَله الحُكْمُ وَالْقَضَاءُ وَلهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسنَى، لَا دَافعَ لِـمَا قَضَى، وَلَا مَانعَ لِـمَا أعْطَى، يَفْعَلُ فِي ملكِهِ مَا يُرِيدُ، وَيَـحْكُمُ فِي خلقِهِ بِـمَا يَشَاءُ، لَا يَرْجُو ثَوابًا وَلَا يخَافُ عقَابًا، لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَا عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْخَلْقِ لَيْسَ لَهُ قبلٌ وَلَا بَعْدٌ، وَلَا فَوقٌ وَلَا تَحتٌ، وَلَا يَمِينٌ وَلَا شمالٌ، وَلَا أَمَامٌ وَلَا خَلْفٌ، وَلَا كُلٌّ وَلَا بعضٌ، وَلَا يُقَالُ مَتى كَانَ، وَلَا أَيْنَ كَانَ، وَلَا كَيفَ، كَانَ وَلَا مَكَانَ، كَوَّنَ الأكوانَ، ودبَّرَ الزَّمَانَ، لَا يتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ، وَلَا يتخصَّصُ بِالْمَكَانِ، وَلَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَن شَأْنٍ، وَلَا يَلْحَقُهُ وهمٌ، وَلَا يكتَنِفُهُ عَقْلٌ، وَلَا يتخصَّصُ بالذهنِ، وَلَا يتَمَثَّلُ فِي النَّفسِ، وَلَا يتَصَوَّرُ فِي الْوَهمِ، وَلَا يتكيَّفُ فِي الْعقل، لَا تَلْحَقُهُ الأوهامُ والأفكَارُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. هَذَا آخِرُ العَقِيدَةِ وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنكِرُهُ سُنِّيٌّ. انتهى كلام تاج الدين السبكي.
تمَّت العَقِيْدَةُ الـمُرْشِدَةُ
والحمدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، أَرجُو اللهَ تَعَالى أَنْ يَنْفَعَ بِهَا كُلَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوْ نَشَرَهَا أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيْزٍ.
فرغ من ضبطها الفقيرُ إِلى عَفْوِ اللهِ وَرَحْـمَتِهِ
أَبُو الطَّيِّبِ يُوسُفُ بْنُ عَدْنَانَ الـمُنَاوِيُّ
[1] المصدر: البداية والنهاية لابن كثير، باختصار وتصرُّف يسير.
[2] توضيح مهمٌّ: تكفير المخالف للإمام الأشعري، هو فيمن خالف في أصول العقيدة من نحو تنزيه الله عن الاحتياج إلى المخلوقات، وتنزيهه عن مماسة شيء من خلقه، وإثبات السمع والبصر والقدرة والعلم والكلام، ونحو ذلك من أصول العقيدة. فلا يتوهَّم متوهِّم أن المراد تكفير من خالف الإمام الأشعري في مسائل فرعية من مسائل العقيدة. فعقيدة الإمام الأشعري هي عقيدة أهل السنة والجماعة لا يختلف أهل السنة في أصولها، وأما مسائل العقيدة الفرعية فقد وقع اختلاف في بعضها، معظم هذه الاختلاف أو كثير منه هو خلاف لفظي. وقد ذكر السبكي كثيرا من هذه المسائل في طبقات الشافعية الكبرى.
[3] اختلف الناس في ابن تومَرت، ولا يوجد ما يثبت أنه كان معتزليا، بل هو كما أثبت عنه غير واحدٍ أنه كان أشعريا. وأما العقيدةُ المروية عنه فإنَّ الأئمة أقرُّوا بأنها موافقةٌ لعقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، ولا يوجَدُ فيها ما يَـمُتُّ إلى الاعتزالِ بصلةٍ.